العالمغير مصنف

هانتا في مصيدة التضليل… كيف أحيت سفينة سياحية أشباح نظريات المؤامرة؟

مدريد: «كيوسك24»

لم تكد سفينة “هونديوس” السياحية تقترب من سواحل الأطلسي حتى بدأت أمواج المعلومات المضللة تتقاذفها بعيداً عن الحقائق الطبية الصرفة، لتعيد إلى الأذهان مشهد جائحة كوفيد-19 في ذروتها، ورغم التأكيدات المتكررة من منظمة الصحة العالمية بأن الفيروس المرصود ليس “كوفيد جديداً” وأن خطر تفشيه عالمياً يظل محدوداً للغاية، إلا أن الفضاء الرقمي استدعى فجأة كل أدوات “الشكوكية” التي خُيل للبعض أنها دفنت مع انتهاء الجائحة السابقة، لتتحول الإصابات القليلة على متن السفينة إلى وقود لمحركات الدعاية التي تروج لسيناريوهات الإبادة الجماعية والمخططات النخبوية الكبرى.

السياسة والوباء.. توظيف الأزمات في صراع الصناديق


واتخذت نظريات المؤامرة في هذه الأزمة بعداً سياسياً محلياً ودولياً عابراً للقارات، حيث ربط رواد “اليمين المتطرف” ومنصات التضليل بين ظهور الفيروس واقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، مروجين لفرضية أن “العالميين” قد ضغطوا على زر “كوفيد 2” بهدف فرض عمليات إغلاق جديدة تجبر الناخبين على التصويت عبر البريد، مما يمهد الطريق لعمليات تزوير واسعة النطاق بحسب زعمهم، وهي السردية التي لم تكتفِ بالتشكيك في طبيعة الفيروس، بل ذهبت إلى اعتباره “وباءً مخططاً له” يهدف إلى تطويع الشعوب وإعادة صياغة الخرائط السياسية تحت غطاء الطوارئ الصحية.

إرث التضليل.. عندما تتحول اللقاحات إلى مادة للاتهام


ولم تغب اللقاحات عن مسرح الاتهامات، إذ استند المشككون إلى مقالات قديمة وتصريحات مجتزأة لشخصيات عالمية مثل بيل غيتس، وصولاً إلى نبش مسلسلات تلفزيونية من حقبة التسعينات للتدليل على أن الفيروس أُطلق عمداً لتقليص عدد السكان أو لإثراء شركات الأدوية، واللافت في هذه الموجة الجديدة هو محاولة ربط فيروس “هانتا” بالآثار الجانبية للقاحات كوفيد-19 السابقة، وهو ما يفسره الخبراء في جامعة بافالو بأنه دليل على أن “المعلومات المضللة لا تختفي بانتهاء الأزمة التي تسببت بظهورها”، بل تظل كامنة في العقل الجمعي للمجموعات المناهضة للمؤسسات الرسمية، بانتظار أي شرارة جديدة لإعادة إحيائها.

عولمة الشك في عصر المنصات المفتوحة


وتعكس هذه الظاهرة تحدياً بنيوياً يواجه المؤسسات الصحية الدولية، فبينما تحاول منظمة الصحة العالمية محاصرة الفيروس ببروتوكولات طبية دقيقة، تجد نفسها في مواجهة “عولمة الشك” التي تغذيها خوارزميات التواصل الاجتماعي وتصريحات بعض المسؤولين والناشطين اليمينيين، ويؤكد المحللون أن هذه السرديات ليست وليدة اليوم، بل هي امتداد لأفكار تاريخية قديمة تزعم أن النخب تصنع الأمراض للسيطرة على العامة، لكنها اليوم تكتسب قوة دفع هائلة بفضل سرعة الانتشار الرقمي، مما يضع المجتمعات أمام معركة مزدوجة: معركة طبية ضد سلالة “الأنديز”، ومعركة وعي ضد الأوبئة المعلوماتية التي قد تفوق الفيروس الحقيقي في قدرتها على زعزعة الاستقرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى