بترجّل الموسيقار عبد الوهاب الدكالي عن صهوة الحياة، لا يفقد المغرب مجرد فنان، بل يسقط ركنٌ مشيّد من أركان “الهوية الموسيقية” التي صاغت وجدان الأجيال. رحل الدكالي تاركاً خلفه فراغاً في زمن العمالقة، وهو الذي استطاع بذكائه الفني أن ينقل الأغنية المغربية من محليتها الصرفة إلى فضاءات كونية، ممتطياً صهوة اللحن الرصين والكلمة المنتقاة بعناية الجواهرجي.
عبقرية اللحن وحصاد الجوائز
لم تكن مسيرة الدكالي طريقاً مفروشاً بالصدف، بل كانت نتاجاً لاجتهاد أكاديمي وحسّ إبداعي رفيع. وقد توجت هذه الرحلة بـ «الأسطوانة الذهبية» عن رائعته «ما أنا إلا بشر»، التي أثبتت أن اللحن المغربي قادر على ملامسة العالمية. وفي مختبر إبداعه بالمحمدية عام 1985، صاغ ملحمة «كان يا ما كان» التي نال عنها الجائزة الكبرى لمهرجان الأغنية، قبل أن يعود في عام 1993 بمراكش ليخطف الأضواء واللقب ذاته عن أغنية «أغار عليك»، مؤكداً أن عطاءه لا ينضب مع تقادم السنين.
سفير الثقافة بمرتبة “أفضل شخصية عربية”
امتد نفوذ الدكالي الفني إلى قلب القاهرة، حيث انتزع ببراعة الجائزة الكبرى لمهرجان القاهرة عام 1997 عن أغنيته الفلسفية «سوق البشرية». هذا التفرد في الطرح جعل مجلة «المجلة» (الصادرة عن الشركة السعودية للأبحاث والنشر) تتوجه كأفضل شخصية في العالم العربي لعام 1991، في استفتاء عكس حينها الإجماع العربي على ريادته.
ولم تكن الأوسمة العربية هي الوحيدة في جعبته، بل حظي بتقدير دولي نادر من خلال تكريمه من قِبل الفاتيكان في مناسبتين، تقديراً لرسائله الفنية التي تجاوزت حدود اللغة لتعزف على أوتار القيم الإنسانية المشتركة.
إرثٌ عصيٌّ على النسيان
يرحل الدكالي جسداً، لكنه يبقى مدرسةً تدرّس للأجيال القادمة كيف يمكن للموسيقى أن تكون فكراً، وللغناء أن يكون رسالة حضارية. إن رحيله هو نهاية فصلٍ ذهبي من تاريخ الموسيقى العربية، لكن ألحانه التي أثثت بيوت العرب من المحيط إلى الخليج ستبقى الشاهد الأكبر على عبقريته.



